الإيمان

الأسئلة:

ـ ما حكم الذي  يسب الدين أو الرب وهل يعذر بالجهل ؟

ـ كيف يمكن الجمع بين أحاديث الوعيد وعدم تخليد الموحدين في النار ؟

ـ تكفيرالمعين ؟

ـ ما معنى قوله   في حديث الشفاعة: "إلا من حبسه القرآن" ؟

ـ هل أفعال العباد الاختيارية من قضاء الله وقدره ؟

ـ هل اكفر عند قولي كلمة أسب بها الرب وهل يحبط بذلك عملي ؟

ـ ما حكم المنكر لجهاد دفع المحتل وهل يعتبر فعله ردة وهل يحتاج في تكفيره إلى إقامة الحجة أم لا؟

ـ مصير من توفي وهو صغير؟

- إذا كان كل شيء مكتوباً فما فائدة السعي ؟

- كيف تكون التوبة من الردة ؟

- المقصود بكون صلة الرحم تزيد في العمر ؟

- هل يعذب المسلمون في قبورهم ؟

- هل كان الإمام أبو حنيفة رحمه الله مرجئاً ؟ وهل تراجع عن ذلك؟

- مدى صحة القول بأنه لا يجوز تكفير المعين بإطلاق ؟

- هل الخلافة التي ستظهر في الأرض المقدسة هي خلافة المهدي المنتظر؟

- هل يجوز أن نقول على أحد الكفار إنه في النار ؟  

- معنى دخول العمل في مسمى الإيمان

- هل يوجد في الملائكة ذكور وإناث

- أول من يكسى يوم القيامة

- هل ظهور المهدي من أمور الاعتقاد، وما صحة ما يذكر عن السفياني ومعركة هرمجدون

  ______________________________________________________________________________

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

______________________________________________________________________________

 

السؤال :  ما حكم الذي  يسب الدين أو الرب وهل يعذر بالجهل ؟

الجواب : الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد : فلا يختلف أهل العلم في أن سب الدين كفر مخرج من الملة ،وكذلك سب الرب سبحانه وتعالى ؛ لأن سب الشيء ولعنه يدل -كما يقول الشيخ ابن عثيمين رحمه الله -على بغضه وكراهته ،وقد قال الله تعالى (ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم) ،وإحباط الأعمال لا يكون إلا بالردة لقوله تعالى (ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون).

 وأما قضية العذر بالجهل فإن الأصل أن من ثبت له عقد الإسلام ثم وقع في شيء من أمور الشرك جاهلاً فإنه لا يكفر حتى تقام عليه الحجة ويبلغه الحكم الشرعي في ما وقع منه كما قرر ذلك شيخ الإسلام ابن تيميه وغيره ،ولكن الذي يظهر أن سب الله تعالى لا يعذر فيه بالجهل ،لأنه لا يتصور أن يكون الرجل مسلماً وهو لا يعلم قدر الله سبحانه وتعالى وأنه لا يجوز سبه ،ولذلك قال الإمام ابن تيميه رحمه الله في الصارم المسلول : (( إن سب الله أو سب رسوله كفر ظاهراً وباطناً، سواء كان السب يعتقد أن ذلك محرم، أو كان مستحلاً له، أو كان ذاهلاً عن اعتقاده، هذا مذهب الفقهاء وسائر أهل السنة القائلين بأن الإيمان قول وعمل )).

وأما سب الدين فالذي يظهر أنه إن سب الدين سباً صريحاً كأن يتوجه باللعن المباشر لدين المسلمين والعياذ بالله فإنه لا يعذر بالجهل لما قدمناه من أنه لا يمكن لمسلم أن يجهل عظم أمر دينه وأنه لا يجوز له سبه ،أما إن كان السب غير صريح ،كأن يسب إنساناً فيقع منه لعن دينه وهو في الحقيقة يقصد لعن ذلك الشخص لا لعن الدين ،فإنه مع كونه قد أتى إثماً عظيماً يستحق عليه التعزير إلا أنه يمكن قبول ادعائه بأنه كان جاهلاً ،إذا قامت قرينة على ذلك، وعلى كل حال فإن قضية الحكم على شخص ما بأنه قد قامت عليه الحجة التي يكفر تاركها هي من الأمور الخطيرة التي لا ينبغي التسرع فيها ، وعلى ذلك فالواجب أن نحكم على القول المعين أو الفعل المعين بأنه كفر إذا دلت النصوص الشرعية على ذلك ،أما الشخص المعين الذي فعل ذلك أو قال ذلك فإنه لا بد من التأكد من توفر الشروط وانتفاء الموانع في حقه قبل الإقدام على تكفيره ،والله أعلم .

______________________________(عودة إلى قائمة الأسئلة)______________________________

 

السؤال : كيف يمكن الجمع بين الأحاديث التي ورد فيها بأن المنتحر في النار أو أن النساء المائلات المميلات لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها ،والأحاديث التي تدل على أن الموحدين لا يخلدون في النار؟

الجواب : قد دلت النصوص الشرعية على أن من مات على التوحيد دخل الجنة كما في حديث أبي ذر الذي أخرجه البخاري ومسلم قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أتاني آت من ربي فأخبرني أو قال بشرني أنه من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة فقلت : وإن زنا وإن سرق ؟قال وإن زنى وإن سرق )).

وأما نصوص الوعيد كالأحاديث التي أشار إليها الأخ السائل في شأن المتبرجات وفي شأن قاتل نفسه وغيرها فإنها حق ،ولكن  للعلماء مسالك عدة في الجمع بينها وبين نصوص الوعد التي سلفت الإشارة إليها ،ومن أصح تلك المسالك أن يقال إن معنى ذلك استحقاق أولئك العصاة للعذاب ،لكن لا يلزم أن ينالهم ذلك العذاب بل هم تحت المشيئة الإلهية فإن شاء الله عفا عنهم برحمته وإن شاء عذبهم بعدله القدر الذي يريده ،ثم أخرجهم من النار بشفاعة الشافعين أو برحمة أرحم الراحمين.

ومما يدل على أن الله تعالى يمكن أن يعفو بكرمه عمن يستحق العقوبة من أهل التوحيد فلا يعاقبه ابتداء حديث جابر بن عبد الله عند مسلم ( 184) والذي فيه أن الطفيل بن عمرو الدوسي قد هاجر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه رجل من قومه وأن ذلك الرجل مرض فلم يتحمل المرض فقطع براجمه فشخبت يداه أي سال دمها بقوة حتى مات فرآه الطفيل في منامه في هيئة حسنة ورآه مغطياً يديه ،فقال له ما صنع بك ربك فقال غفر لي بهجرتي إلى نبيه صلى الله عليه وسلم ،فقال ما لي أراك مغطياً يديك ؟قال قيل لي : لن نصلح منك ما أفسدت ،فقصها الطفيل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال صلى الله عليه وسلم : ( اللهم وليديه فاغفر ) ، قال النووي رحمه  الله : (( فيه حجة لقاعدة عظيمة لأهل السنة أن من قتل نفسه أو ارتكب معصية غيرها ،ومات من غير توبة فليس بكافر ،ولا يقطع له بالنار ،بل هو في حكم المشيئة )).

فدل ذلك على أن الله تعالى يمكن أن يعفو عمن يستحق هذه العقوبة إذا شاء سبحانه ، وأن الأحاديث الصحيحة التي فيها أن من قتل نفسه فإنه من أهل النار ،وأن من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ بها في بطنه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً ،وكذلك من شرب سماً ، ومن تردى من جبل ، أن تلك الأحاديث يُحمَل التخليد فيها على طول المدة لا الإقامة الدائمة أو أن يكون ذلك في حق من فعل ذلك مستحلاً مع علمه بالتحريم فهو كافر كما قال الإمام النووي في شرح صحيح مسلم .    

ومما يدل على أن من دخل النار من أهل التوحيد أنه لا يخلد فيها  أحاديث الشفاعة في الصحيحين وغيرهما ومنها حديث أنس بن مالك ،وفيه قوله صلى الله عليه وسلم : ( فيأتوني فأستأذن على ربي ،فيؤذن لي ،فإذا أنا رأيته وقعت ساجداً ،فيدعني ما شاء الله ،فيقال : يا محمد ارفع رأسك ،قل تسمع ،سل تعطه ،اشفع تشفع ،فأرفع رأسي فأحمد ربي بتحميد يعلمنيه ربي ،ثم أشفع فيحد لي حداً فأخرجهم من النار ،وأدخلهم الجنة ،ثم أعود فأقع ساجداً ،فيدعني ما شاء الله أن يدعني ،ثم يقال : ارفع رأسك يا محمد ،قل تسمع ،سل تعطه ،اشفع تشفع ،فأرفع رأسي فأحمد ربي بتحميد يعلمنيه ثم أشفع فيحد لي حداً فأخرجهم من النار ،وأدخلهم الجنة ،قال فلا أدري في الثالثة أو في الرابعة قال : فأقول : يا رب ما بقي في النار إلا من حبسه القرآن ،أي :وجب عليه الخلود ). [أخرجه البخاري( 6556)ومسلم(193) ].والله تعالى أعلم

______________________________(عودة إلى قائمة الأسئلة)______________________________

 

السؤال :لدي سؤال عن شبهة يوردها من لا يكفر من يبدلون شرع الله الآن بقصة الإمام أحمد مع إمام زمانه فالقول بخلق القران كفر لكن الإمام أحمد رحمه الله لم يكفره ،ثم يا شيخ هل لا يلزمني أن اشتغل بهذه المسائل الآن أم يكفي معرفة نواقض الإسلام والكفر بالطاغوت عموما ولا يهمني أعيانهم؟

الجواب : ما ذكر عن الإمام أحمد صحيح ،وهو من تطبيقات ما قرره أهل العلم من التفرقة بين وصف عمل ما أو قول ما بأنه كفر ،وبين تكفير الشخص المعين الذي فعل ذلك أو قال ذلك ،فإن القول قد يكون كفراً فيطلق القول بتكفير صاحبه كما يقول شيخ الإسلام ابن تيميه (( ويقال من قال كذا فهو كافر ،لكن الشخص المعين الذي قاله لا يحكم بكفره حتى تقوم عليه الحجة التي يكفر تاركها )). إلى أن قال رحمه الله : ( وهكذا الأقوال التي يكفر قائلها قد يكون الرجل لم تبلغه النصوص الموجبة لمعرفة الحق ،وقد تكون بلغته ولم تثبت عنده أو لم يتمكن من فهمها ،وقد يكون عرضت له شبهات يعذره الله بها )) ثم ساق ابن تيميه رحمه الله مثالاً على ذلك قول الإمام أحمد في الجهمية المنكرين لأسماء الله وصفاته القائلين بخلق القرآن وأنه كان يكفرهم ،لأن مناقضة أقوالهم لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ظاهرة بينة ،لكنه مع ذلك ما كان يكفر أعيانهم ،بل كان يترحم على هؤلاء الذين عذبوه في فتنة خلق القرآن لعلمه بأنهم لم يبين لهم أنهم مكذبون للرسول ولا جاحدون لما جاء به ولكن تأولوا فأخطؤوا، وقلدوا من قال لهم بذلك. [مجموع الفتاوى 23/ 345وما بعدها]

 وهكذا القول في مسألة التشريع من دون الله فإن الذي دلت عليه النصوص الشرعية أن من شرع للناس تشريعاً عاماً مخالفاً لشرع الله فقد وقع في الكفر الأكبر المخرج من الملة ،ولكن تكفير الشخص المعين الذي فعل ذلك لا بد فيه من معرفة هل بلغته الحجة الشرعية أم لا وهل له تأويل سائغ في ذلك أم لا ،ولذلك فإني أرى أن مسألة تنزيل الحكم على الشخص المعين مما يقبل الخلاف ؛فقد يرى طائفة من أهل العلم أن الحاكم الفلاني لا عذر له وأن الحجة قد أقيمت عليه ،وقد يرى غيرهم غير ذلك ،ولا أرى أن ينكر أحد الفريقين على الآخر ،وقد كان من التابعين من يكفر الحجاج بن يوسف وكان منهم من لا يكفره،ومع ذلك ما بدَّع بعضهم بعضاً ولا أنكر بعضهم على بعض.

أما ما سأل عنه الأخ السائل من قوله هل يلزمني الاشتغال بهذه المسائل ... ؟إلخ  ،فأقول إن الذي أنصح به الشباب أن يكتفوا بالتأصيل الشرعي العام ،وأن علينا الكفر بالطاغوت بكل أنواعه ،وأن الحكم بما أنزل الله واجب محتم ،وأن التشريع من دون الله كفر أكبر كما بيناه بالأدلة في أكثر من موضع من كتاباتنا ، وأما الحكم على الأفراد من حكام ومحكومين فالواجب الرجوع فيه إلى العلماء ،لأن تطبيق الحكم على الواقع ليس بالأمر الهين وإنما يحسنه أهل العلم الجامعين بين معرفة الأدلة الشرعية ومعرفة واقع الناس . والله أعلم

______________________________(عودة إلى قائمة الأسئلة)______________________________

 

السؤال : يقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث الشفاعة الطويل ..."فأقول : يا رب ما بقي في النار إلا من حبسه القرآن ،أي :وجب عليه الخلود ، فما معنى : حبسه القرآن؟

الجواب : من حبسه القرآن هو الذي حكم عليه القرآن بأنه محبوس في النار لا يخرج منها أبداً ،وهو من مات على غير ملة الإسلام ،وهؤلاء هم الذين لا تنفعهم شفاعة الشافعين بل يخلدون في النار والعياذ بالله ،وهذا هو معنى ما جاء في سياق هذا الحديث من تفسير من حبسه القرآن بأنه من وجب عليه الخلود ،أي في النار ،وهذا التفسير ليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم ولكنه من قول قتادة راوي الحديث عن أنس رضي الله عنه كما جاء في بعض روايات الحديث ،قال الإمام النووي رحمه الله : (( وبين مسلم رحمه الله تعالى أن قوله : أي وجب عليه الخلود هو تفسير قتادة الراوي ،وهذا التفسير صحيح ،ومعناه : من أخبر القرآن أنه مخلد في النار وهم الكفار ،كما قال تعالى : (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ).... )) .والله أعلم 

______________________________(عودة إلى قائمة الأسئلة)______________________________

 

السؤال : يقول أحد المؤلفين المعاصرين إنه لا دخل للقضاء والقدر في أفعال الإنسان ؛لأن الإنسان هو الذي قام بها بإرادته واختياره ،كما يقول: إن تعليق المثوبة بالهداية وتعليق العقوبة بالضلال يدل على أن الهداية والضلال هما من فعل الإنسان وليسا من الله تعالى ،فهل هذا القول صحيح ؟

الجواب : هذا القول غير صحيح بل هو مخالف لما هو معروف من قول أهل السنة والجماعة في مسألة القدر ،فإن الذي دلت عليه النصوص الشرعية واتفق عليه سلف الأمة أن كل شيء في هذا الكون إنما يجري بقدر الله تعالى وأنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ،وأنه تعالى يضل من يشاء ويهدي من يشاء ،والسلف متفقون مع ذلك كما يقول شيخ الإسلام ابن تيميه في مجموع الفتاوى : (8/459) على أن العباد لهم مشيئة وقدرة يفعلون بمشيئتهم وقدرتهم ما أقدرهم الله عليه .

وقد ضل في هذه المسألة فريقان من الناس هما القدرية والجبرية ،فأما القدرية فهم نفاة القدر ،وكان غلاتهم ينفون العلم السابق ؛فيقولون إنه تعالى أمر ونهى وهو لا يعلم من يطيعه ممن يعصيه ،بل الأمر أنف أي مستأنف ،ثم صار جمهور القدرية يقرون بالعلم لكن ينكرون عموم مشيئة الله ،فيقولون إن الله تعالى قد شاء من الكافر الإيمان ولكنه شاء الكفر ،وهذا قول المعتزلة ومن قال بقولهم ،وعلى قولهم هذا تكون مشيئة هذا العبد قد غلبت مشيئة الله تعالى .

وأما الجبرية فإنهم يقولون إنه لا مشيئة للعباد أصلاً ولا اختيار لهم ،بل إن العبد عندهم مجبور ولا فعل له وليس بقادر على الفعل أصلاً ،بل هو كريشة في مهب الريح .

وقد أنكر السلف والأئمة على كلتا الطائفتين المذكورتين ( القدرية والجبرية) وبدَّعوهما حتى في لفظ الجبر فإنهم أنكروا على من قال :جبر ومن قال: لم يجبر،وذكروا أن الشرع قد جاء بلفظ الجبل لا الجبر ،وبينوا أن أفعال العباد على نوعين : نوع يكون منه من غير اقتران قدرته وإرادته فيكون صفة له ولا يكون فعلاً ؛كحركات المرتعش ،ونوع يكون مقارناً لقدرته وإرادته واختياره وهذا النوع للعباد فيه مشيئة واختيار ،ولكنها معلقة بمشيئة الله تعالى  .

ومن أدلة أهل السنة في إثبات مشيئة للعبد في حدود مشيئة الله العامة :قوله تعالى: ( لمن شاء منكم أن يستقيم ،وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العلمين ) [التكوير: 28-29]،ففي هاتين الآيتين رد على الطائفتين المجبرة الجهمية والقدرية المعتزلة ،كما يقول شيخ الإسلام ابن تيميه ،حيث أثبتت الآية الأولى للعبد مشيئة وفعلاً ،وفي هذا رد على الجبرية الذين نفوا أن يكون للعبد إرادة ومشيئة، ثم بينت الآية الثانية أن مشيئة العبد معلقة بمشيئة الله تعالى ،فلا تخرج مشيئته عن المشيئة الإلهية ،وفي هذا رد على القدرية الذين يقولون إن العبد قد يشاء ما لا يشاؤوه الله تعالى .

ومنها قوله تعالى : ( فمن شاء ذكره ،وما يذكرون إلا أن يشاء الله ) [المدثر: 55-56]،وكذا قوله تعالى : ( إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلاً ،وما تشاؤون إلا أن يشاء الله ) [الإنسان :29-30]،فهذه الآيات تبين أن للعبد مشيئة في حدود مشيئة الله العامة الشاملة .

ومما يدخل في الإيمان بالقدر الإيمان بأن الله تعالى يضل من يشاء ويهدي من يشاء كما دلت على ذلك الأدلة الشرعية الواضحة كقوله تعالى : ( من يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم ) [الأنعام :39]،و قوله تعالى : ( ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ). [السجدة :13 ]،وقوله : ( فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً كأنما يصعد في السماء )  [الأنعام : 125 ] وأمثال هذه الآيات.

وأما ما زعمه الكاتب المسؤول عنه من أن تعليق الثواب والعقاب بالهدى والضلال دال على أن الهداية والضلال هما من فعل الإنسان وحده ،فجوابه أننا لا ننكر أن العبد فاعل لفعله حقيقة بناء على ما أعطاه الله تعالى من مشيئة واختيار ،وأنه بناء على ذلك يُحاسب فيعاقب أو يثاب ، ولكنا نقول إن مشيئة العبد في الهداية والضلال مقيدة بمشيئة الله العامة كما أسلفنا ،فما يفعله العبد من أمور الهدى والضلال هو فعل له حقيقة فعله بإرادته واختياره ،ولكنه واقع بقدر الله تعالى ومشيئته ،وهو سبحانه الذي خلق ذلك العمل وأوجده لأن الله تعالى هو خالق العباد وخالق أفعالهم كما قال تعالى : ( والله خلقكم وما تعملون ) .

ومما يعين في فهم ذلك أن تعلم أن ما يهبه الله تعالى من المثوبة على فعل الصالحات إنما هو محض فضل منه تعالى ليس للعباد عليه في ذلك حق واجب ،كما قال صلى الله عليه وسلم : ( لن ينجي أحداً منكم عمله ،قالوا : ولا أنت يا رسول الله ،قال : ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل ) .[ متفق عليه من حديث أبي هريرة ]،بل إنه سبحانه لو عذب الطائع والعاصي من عباده لما كان ظالماً لهم ،كما ورد في الحديث الآخر : ( لو أن الله عذب أهل سمواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم ،ولو رحمهم كانت رحمته خيراً لهم من أعمالهم ).[أخرجه أبو داود وابن ماجه وأحمد من حديث زيد بن ثابت ،وإسناده صحيح ].  وما ذلك إلا لأن نعم الله على عباده لا تعد ولا تحصى ،ولا يمكن للعباد أن يؤدوا شكرها كما يجب مهما عملوا من الطاعات ، ولذلك فلو أن الله تعالى عذبهم بذنوبهم أو حتى عذبهم مع طاعتهم له فإنه لا يكون بذلك ظالماً لهم .

والواجب على العبد التسليم لأمر الله تعالى ،وأن يؤمن بالقدر خيره وشره ،وأن يعلم أن الله تعالى حكم عدل لا يظلم الناس شيئاً ، وأن يحذر من التعمق في القدر فإنه سر الله في خلقه والتعمق فيه ذريعة الخذلان وسلم الحرمان كما قال الإمام الطحاوي ،وقال وهب بن منبه : ( نظرت في القدر فتحيرت ثم نظرت فيه فتحيرت ،ووجدت أعلم الناس بالقدر أكفهم ،وأجهل الناس بالقدر أنطقهم فيه ) . والله تعالى أعلم

 ______________________________(عودة إلى قائمة الأسئلة)______________________________

 

السؤال : هل اكفر عند قولي -من غير قصد و كنت شديد الغضب- كلمة أسب بها الرب مع توبتي فوراً بعد ذلك  فاغتسالي فصلاتي العشاء، وهل يحبط عملي إذا كنت كفرت ثم تبت  ؟

الجواب : لا شك في أن من سب الرب سبحانه تعالى فقد ارتد والعياذ بالله ،ولا أدري كيف يجرؤ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله على التفوه بمثل هذا القول الخطير الذي ينم عن عدم تعظيم للرب سبحانه ، حتى ولو كان الإنسان في حالة غضب ؛فإن الغضب ليس مبرراً للكفر والعياذ بالله ،وإن كان بعض أهل العلم يقول إن الإنسان إذا وصل به الغضب إلى درجة لا يعرف معها السماء من الأرض فإنه لا يؤاخذ بما يقول كما ذكر الشيخ ابن عثيمين في بعض فتاواه .

المهم أنك ما دمت قد تبت وندمت على ما تفوهت به فإن الله تعالى يقبل توبتك ،لكن حذارِ من العودة لمثل هذا الأمر مرة أخرى نسأل الله تعالى أن يعفو عنا وعنك بمنه وكرمه .

تبقى مسألة حبوط العمل السابق ،وهذه قد وقع فيها خلاف بين أهل العلم فقال بعضهم كالإمام مالك رحمه الله إنه إذا ارتد الإنسان ثم عاد إلى الإسلام ،فإن كل أعماله السابقة تحبط لقوله تعالى : ( ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ) ،فعليه مثلاً إن كان قد حج حجة الإسلام أن يحج مرة أخرى ،وقال بعض أهل العلم :لا يحبط عمله بل يعود إلى الإسلام بأعماله السابقة ،وإنما يحبط عمله إن مات على الردة والعياذ بالله لقوله تعالى : ( ومن يرتدد منكم عند دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة ) ،فهذه الآية فيها تقييد حبوط العمل بكون الإنسان يموت كافراً ،والآية الأولى مطلقة فيحمل المطلق على المقيد كما هو مقرر في علم الأصول ،وهذا قول الإمام الشافعي رحمه الله ،وهو الأرجح والله تعالى أعلم .

 ______________________________(عودة إلى قائمة الأسئلة)______________________________

 

السؤال : ما حكم المنكر لجهاد دفع المحتل وهل يعتبر فعله ردة وهل يحتاج في تكفيره إلى إقامة الحجة أم لا؟

الجواب : إنكار جهاد الدفع خطأ كبير وإثم عظيم لعموم الأدلة الواردة في وجوب قتال الكافرين المعتدين ،أما تكفير ذلك المنكر فإنه لا يجوز الإقدام عليه إلا بعد معرفة حاله فإن كان إنكاره من قبيل رد الأدلة الشرعية الآمرة بذلك فإنه يكفر ، أما إذا كان غير منكر لتلك الأدلة ولكنه يتأول أن ضعف المسلمين الآن يجعلهم غير قادرين حتى على جهاد الدفع فلذلك لا يرى مدافعة المحتلين أو نحو ذلك من التأويلات ،فإنا لا نكفره حتى تقام عليه الحجة ويبين له الأمر وتزال الشبه التي عنده والله تعالى أعلم .

 ______________________________(عودة إلى قائمة الأسئلة)______________________________

 

السؤال : ما مصير الأطفال المتوفين وهم صغار،وهل يوجد سن معين لا يحاسبون فيه على أعمالهم إذا ما توفاهم الله عز وجل؟

الجواب : أما أولاد المسلمين فهم في الجنة بإجماع من يعتد به من علماء المسلمين كما ذكر النووي رحمه الله في شرح مسلم ،وقال الإمام أحمد رحمه الله في أولاد المسلمين : لا يختلف فيهم أحد ،يعني أنهم في الجنة ،كما ذكر ابن القيم في طريق الهجرتين ،وقد ورد في ذلك أحاديث صحيحة منها ما رواه مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في أطفال المسلمين : ( صغارهم دعاميص الجنة يتلقى أحدهم أباه، أو قال : أبويه فيأخذ بثوبه،أو قال بيده كما آخذ أنا بِصَنِفَةِ ثوبك هذا، فلا يتناهى أو قال لا ينتهي حتى يدخله الله وأباه الجنة ) ،وصح في الحديث أيضاً أنه صلى الله ( كان إذا جلس يجلس إليه نفر من أصحابه ، وفيهم رجل له ابن صغير ، يأتيه من خلف ظهره ، فيقعده بين يديه ، فهلك ، فامتنع الرجل أن يحضر الحلقة لذكر ابنه ، فحزن عليه ،ففقده النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : ما لي لا أرى فلانا . قالوا : يا رسول الله ، بنيه الذي رأيته هلك ، فلقيه النبي ، فسأله عن بنيه ، فأخبره أنه هلك ، فعزاه عليه ثم قال : يا فلان أيما كان أحب إليك ، أن تمتع به عمرك ، أو لا تأتي غداً إلى باب من أبواب الجنة ، إلا وجدته قد سبقك إليه يفتحه لك . قال : يا نبي الله بل يسبقني إلى باب الجنة ، فيفتحها لي ، لهو أحب إلي قال : فذاك لك ،فقال رجل: أله خاصة أو لكُلَّنا ؟ قال صلى الله عليه وسلم - : بل لكلكم ) أخرجه النسائي وغيره وصححه ابن حبان والحاكم والحافظ ابن حجر في فتح الباري

وأما أبناء الكفار ففيهم خلاف بين أهل العلم ،فمنهم من قال إنهم في النار مع آبائهم ومنهم من قال إنهم في الجنة ،ومنهم من توقف فيهم ، ومنهم من قال يمتحنون يوم القيامة فمن أطاع الله دخل الجنة ، ومن عصى دخل النار ،وهذا أعدل الأقوال وهو قول معظم أهل السنة والجماعة كما نقله عنهم أبو الحسن الأشعري ،وهو الذي مال إليه شيخ الإسلام ابن تيمية ،وذكر أنه مقتضى نصوص الإمام أحمد ،وقد ورد في ذلك أحاديث منها حديث أنس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يؤتى بأربعة يوم القيامة : بالمولود ، والمعتوه ، ومن مات في الفترة ، والشيخ الفاني ،كلهم يتكلم بحجته ،فيقول الرب تبارك وتعالى لعُنُق من النار : ابرز، ويقول لهم : إني كنت أبعث إلى عبادي رسلاً من أنفسهم ، وإني رسول نفسي إليكم ، ادخلوا هذه ( أي النار ) ،قال : فيقول من كتب عليه الشقاء : يا رب أنى ندخلها ومنها كنا نفر ، قال : ومن كتب عليه السعادة يمضي فيقتحم فيها مسرعاً ، قال : فيقول الله تعالى أنتم لرسلي أشد تكذيباً ومعصية ،فيدخل هؤلاء الجنة وهؤلاء النار) أخرجه أبو يعلى في مسنده،وفيه ضعف ولكن له شواهد يتقوى بها ،قال الإمام ابن القيم في كتابه مدارج السالكين بعد أن ذكر هذا الحديث وغيره من الأحاديث الدالة على الامتحان يوم القيامة : (( فهذه الأحاديث يشد بعضها بعضاً وتشهد لها أصول الشرع وقواعده والقول بمضمونها هو مذهب السلف والسنة )) .

أما سؤال الأخ عن السن التي لا يحاسب الإنسان إلا ببلوغها فإن المعتبر في ذلك هو البلوغ فمتى ظهرت علامات البلوغ فقد صار الإنسان من أهل التكليف ،وعلامات البلوغ عند الرجال هي إنبات شعر العانة أو نزول المني بشهوة أو بلوغ خمسة عشر عاماً ،فأي هذه الثلاث وجدت صار بها الإنسان محاسباً على أفعاله وأقواله ،وأما بالنسبة للنساء فإنه يضاف للعلامات السابقة علامة رابعة وهي الحيض ،والله أعلم .  

______________________________(عودة إلى قائمة الأسئلة)______________________________

 

صح في حديث الرسول صلي الله عليه وسلم  ( إن أحدكم ليجمع في بطن امة أربعين يوما ثم مثلها علقة ثم مثلها مضغة  ثم يأمر الملك لينفخ فيه الروح ويأمره بكتب أربع كلمات  اكتب أجلة  اكتب عمله  اكتب رزقه  وشقي أم سعيد).

وسؤالي هو: إذا كان الرزق والعمل والسعادة والشقاء قد كتب مسبقا فما هي فائدة السعي؟ وكيف يعيش الإنسان سعيدا إذا كان مكتوباً عليه الشقاء في الدنيا؟

الجواب : نعم كل شيء بقدر الله تعالى ،ولكن ذلك لا يعني ترك السعي ،بل الإنسان مأمور بالسعي في عمل الخير وترك الشر لأنه ليس معنى أن كل شيء مقدر أن الإنسان لا إرادة له ولا اختيار بل للعبد إرادة واختيار في حدود مشيئة الله العامة ، ثم هو لا يعلم ماذا كتب له  من خير أو شر ،فكيف يترك العمل بدعوى الاتكال على القدر ،ولو جاز له أن يترك العمل بدعوى أن كل شيء مقدر فلِم لا يترك الطعام والشراب بدعوى أنه إن كان الله قد قدَّر له الشِبَع والري فسيشبع ويروى وإن لم يأكل ولم يشرب .

وقد أجاب الرسول صلى الله عليه وسلم عن نفس هذا السؤال بالأمر بالعمل ،كما في الصحيحين وغيرهما من حديث علي رضي الله عنه قال : ( كنا في ‏جنازة في بقيع الغرقد فأتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم،فقعد وقعدنا حوله ومعه مخصرة فنكس رأسه ،فجعل ينكت ‏بمخصرته ثم قال: ما من نفس منفوسة إلا قد كتب مكانها‎ ‎من الجنة والنار ،وإلا قد كتبت شقية ‏أو سعيدة ،فقال رجل: يا رسول الله أفلا نمكث على كتابنا وندع العمل ؟ فقال : من كان من أهل السعادة فسيصير إلى ‏عمل أهل السعادة ،ومن كان من أهل الشقاوة فسيصير إلى عمل إلى أهل الشقاوة ثم قال : اعملوا فكل ميسر لما خلق له ،أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل ‏السعادة ،وأما‎ ‎أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة ،ثم قرأ: ( فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره ‏لليسرى * وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى) ‎.‎

فالواجب على العبد السعي والعمل في طاعة الله ،وتفويض الأمر بعد ذلك لأحكم الحاكمين وأعدل العادلين ،وأنصح أخي السائل بترك التعمق في القدر فإنه سر الله في خلقه ،وإن الإنسان لا يزيده طول البحث فيه إلا الحيرة والاضطراب ،كما قال وهب بن منبه : ( نظرت في القدر فتحيرت ثم نظرت فيه فتحيرت، ووجدت أعلم الناس بالقدر أكفهم عنه، وأجهل الناس بالقدر أنطقهم فيه)، وفي الحديث : (إذا ذكر القدر فأمسكوا ) وقد حسنه الحافظ ابن حجر في فتح الباري ،وصححه الألباني في صحيح الجامع والله تعالى أعلم .

______________________________(عودة إلى قائمة الأسئلة)______________________________

 

السؤال : إذا قلنا بتكفير الشخص الذي ترك الصلاة بالكلية فكيف تكون توبته أيكفيه أن يرجع إلى الصلاة أم يلزمه أن يغتسل ويشهد بالشهادتين من جديد,وكذلك يا فضيلة الشيخ من ارتد عن الإسلام ببعض النواقض أو أقول اجتمع فيه أكثر من ناقض فإذا رجع إلى الإسلام هل يلزمه أن يتوب من كل ناقض أم يقال هنا الإسلام يجب ما قبله ويكفيه الدخول فيه بالشهادة ؟والسؤال الأخير عفا الله عنكم لقد سمعنا أن العلماء قد اختلفوا فيما أتكفي الشهادة دون الغسل فنرجو التفصيل

الجواب : يفرق أهل العلم بين من كانت ردته عن أصل الدين كمن جحد وحدانية الله تعالى أو أنكر رسالة محمد صلى الله عليه وسلم أو ترك دين الإسلام ودخل في غيره ، فهذا يكفي في توبته النطق بالشهادتين لأن الكافر الأصلي يثبت إسلامه بالنطق بالشهادتين ثم يطالب بعد ذلك ببقية أركان الإسلام ، وأما من كانت ردته بغير ذلك كمن جحد فرضاً من فرائض الإسلام أو أنكر نبوة نبي من الأنبياء أو استحل شيئا من المحرمات الظاهرة وغير ذلك ، فإنه لا يكفي في توبته أن ينطق بالشهادتين بل لا بد مع نطقه بالشهادتين من أن يرجع عن الشيء الذي حُكم بردته بسببه ،كما بينه الإمام ابن قدامة في المغني ، لأنه لا معنى لنطقه بالشهادتين هنا وهو باق على الأمر الذي حكمنا بردته لأجله ، وهو قد كان ينطق بهما في الوقت الذي حكمنا بردته فيه ، أما الأول فلأنه ترك أصل الإسلام فإنه يكفيه الدخول فيه جملة بالنطق بالشهادتين ، وعلى ذلك فمن كانت ردته بترك الصلاة بالكلية فإنه لا بد في توبته من إتيانه بالصلاة ،وهل يلزمه مع ذلك أن ينطق بالشهادتين كما قلنا في شأن من كانت ردته بجحد أي فريضة أخرى أو استحلال محرم ونحوه ؟ نقول هذا مبني على الخلاف في شأن الكافر إذا صلى دون أن ينطق بالشهادتين فإن من الفقهاء من قال إنه لا يحكم بإسلامه إلا إذا نطق بالشهادتين قبل الصلاة لأن الصلاة لا تقبل من كافر وهذا قول الشافعية كما في المجموع للإمام النووي ،ومنهم من قال إنه يحكم بإسلامه ولو لم ينطق بهما لأن الصلاة محتوية على الشهادتين ،ولأنها من أخص خصائص الإسلام وهذا قول الجمهور ( بل عده إسحاق بن راهويه إجماعاً كما في حاشية الدسوقي على الشرح الكبير وإن كان الصواب ثبوت الخلاف فيه كما رأينا) ، فعلى القول الأول لا يكفي أن يصلي بل لا بد من النطق بالشهادتين قبل الصلاة ،وعلى القول الثاني لا يلزم ،والأحوط الإتيان بهما والله أعلم .

ومن كانت ردته بأكثر من ناقض فعليه أن يرجع عن كل تلك النواقض ،لما قدمناه من التفرقة بين من كانت ردته عن الدين جملة وبين من كانت ردته بغير ذلك . 

أما بالنسبة للغسل فقد أوجبه بعض أهل العلم ولم يوجبه بعضهم ، والأرجح القول بالوجوب لحديث قيس بن عاصم أنه لما أسلم أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يغتسل بماء وسدر [ أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه الترمذي وصححه ابن خزيمة وابن حبان وغيرهم] . هذا والله تعالى أعلم

 

______________________________(عودة إلى قائمة الأسئلة)______________________________

 

السؤال : جاء في الحديث أن صلة الرحم تزيد في العمر ، فما المراد بالزيادة هنا؟

الجواب : فسر بعض أهل العلم زيادة العمر الواردة في الحديث بأن الله يبارك له في عمره بحيث يفعل فيه من الخير في العمر القصير ما يفعله غيره في العمر الطويل ، وهناك قول آخر رجحه شيخ الإسلام ابن تيميه في (مختصر الفتاوى المصرية ) ،وهو أن المقصود بالزيادة أو النقص في الأعمار ما يكون في الصحف التي بأيدي الملائكة ،فهذه الصحف يمكن أن يقع فيها التغيير ، فيكون فيها مثلاً أن فلاناً عمره كذا فإن وصل رحمه زيد له كذا ،أما ما كتبه الله تعالى في اللوح المحفوظ فلا تغيير فيه ولا تبديل ولا محو ولا إثبات ،وقد قال الله تعالى : ( يمحو الله ما يشاء ويثبت ) أي في ما بأيدي الملائكة ثم قال : ( وعنده أم الكتاب ) أي أصله ،وهو اللوح المحفوظ الذي لا محو فيه ولا إثبات ،ولا يطلع عليه أحد إلا الله سبحانه وتعالى ،هذا والله تعالى أعلم .

______________________________(عودة إلى قائمة الأسئلة)______________________________

 

السؤال : هل يعذب المسلون عذاب القبر أم لا يعذب به إلا الكفار ، وإذا كان الجوب بنعم فمن هم المسلمون الذين يعذبون في قبورهم ؟

الجواب : عذاب القبر ثابت بالقرآن الكريم والسنة الصحيحة ،كما في قوله تعالى عن آل فرعون : ( وحاق بآل فرعون سوء العذاب النار يعرضون عليها غدواً وعشياً ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب ) ، لكن عذاب القبر ليس خاصاً بالكافرين بل يذيقه الله تعالى من شاء من عصاة المسلمين أيضاً ،ففي الحديث الصحيح : ( إن هذه الأمة تبتلى في قبورها ، فلولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع منه ، تعوذوا بالله من عذاب النار ، تعوذوا بالله من عذاب القبر ) ،وفي حديث البراء بن عازب أنه صلى الله قال : ( أعوذ بالله من عذاب القبر ثلاث مرات ) أخرجه أبو داود وأحمد وهو صحيح كما ذكر ابن القيم في تهذيب السنن ،فالتعوذ من عذاب القبر والأمر بالتعوذ منه يدل على أن عذاب القبر واقع على من شاء الله من عصاة هذه الأمة ، أما تحديد من يعذب في قبره من هذه الأمة فليس لدينا دليل من الشرع على بيان ذنوب معينة يعذب أصحابها في قبورهم ،لكن ورد في السنة ذكر أمثلة للذنوب التي ربما عذب أصحابها في قبورهم ومما ورد في ذلك ما رواه البخاري ومسلم حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بقبرين فقال : ( إنهما ليعذبان ،وما يعذبان في كبير ،أما أحدهما فكان لا يستتر من بوله وأما الآخر فكان يمشي بين الناس بالنميمة ) ،فبين الحديث أن هذين الشخصين يعذبان بهذين الذنبين ،لكنا لا نستطيع الجزم بأن كل من فعل ذلك لا بد أن يعذب في قبره ،لاحتمال عفو الله عنه أو تأخير عذابه ليوم القيامة ،أو غير ذلك ، كما أن ذلك لا يعني أنه لا يعذب إلا من كان مثل هذين ، والواجب علينا أن نقف عند حدود ما وردت به النصوص الشرعية فنعتقد بأن هناك من هذه الأمة من يعذب في قبره ،ونتعوذ بالله من عذاب القبر ،ونكتفي بذلك والله تعالى أعلم .

______________________________(عودة إلى قائمة الأسئلة)______________________________

 

السؤال : هل كان الإمام أبو حنيفة رحمه الله مرجئاً أم أنه وقع في الإرجاء؟ وهل تراجع عن ذلك؟

الجواب : الإمام أبو حنيفة رحمه الله إمام جليل ،من أئمة الفقه والدين ، غير  أن المشهور عنه في باب الإيمان أنه كان على مذهب شيخه حماد بن أبي سليمان ،وهو ما يسمى بإرجاء الفقهاء الذين لا يدخلون العمل في مسمى الإيمان ،وإنما يقولون إن الإيمان هو التصديق بالقلب والقول باللسان فقط ، ويقولون بأن الإيمان لا يزيد ولا ينقص ولا يتفاضل فيه أهله ، هذا هو المشهور عن أبي حنيفة رحمه الله في كتب المقالات والعقائد كمقالات الإسلاميين لأبي الحسن الأشعري ، وشرح الطحاوية لابن أبي العز ،وغيرهما.

لكن قد روى ابن عبد البر في التمهيد أن حماد بن زيد ناظر أبا حنيفة في الإيمان فروى له حديث عمرو بن عبسة أن رجلاً قال يا رسول الله أي الإسلام أفضل ؟ قال الإيمان ،وفيه : (قال : فأي الإيمان أفضل ؟ قال الهجرة ... إلى أن قال : فأي الهجرة أفضل ؟ قال الجهاد )، فجعل صلى الله عليه وسلم الهجرة والجهاد من الإيمان ، وأن أبا حنيفة سكت ،فقيل له ألا تجيبه يا أبا حنيفة ؟ قال بم أجيبه وهو يحدثني بهذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلعل في سكوت أبي حنيفة وإقراره بأن مخالفه يحدثه بحديث رسول لله صلى الله عليه وسلم ،لعل في ذلك رجوعاً منه إلى قول السلف ،وهذا هو المظنون به رحمه الله كما يقول الشيخ سفر الحوالي في كتابه ظاهرة الإرجاء ،والله تعالى أعلم   

______________________________(عودة إلى قائمة الأسئلة)______________________________

 

السؤال : هناك بعض المنتسبين للعلم يقولون إنه لا يجوز تكفير المعين بإطلاق ،فلا يجوز عندهم تكفير العلمانيين،والزنادقة ،وكذلك الحكام الحاكمين بالطاغوت والسابين لدين الله والمستهزئين بشرعه فما هو القول الفصل في المسألة؟

الجواب : الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد فإن القول بأنه لا يجوز تكفير المعين بإطلاق قول باطل لا سند له من الشرع ولو كان الأمر كذلك ما كان هناك تجريم للردة عن الإسلام ولما وردت العقوبات الشرعية في حق المرتدين ، وإنما الصحيح في ذلك أنه يجب تكفير من كان كفره بيناً ظاهراً كمن سب الله تعالى أو سب رسوله صلى الله عليه وسلم أو استهزأ بكتاب الله أو سنة رسوله أو بشيء من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة ،من غير إكراه ؛فإنه لا يتصور أن يكون الشخص مسلماً وهو يسب الله تعالى أو يسب رسوله أو يلقي بالمصحف -وهو يعلم أنه مصحف- في بالوعة القاذورات ، ولذلك قال الله تعالى في شأن النفر الذين استهزؤوا برسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه : ( ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم ) فكفرَّهم القرآن الكريم بأعيانهم.

أما ما يتصور فيه الجهل أو التأول فإن تكفير الشخص المعين إذا وقع فيه يكون بعد قيام الحجة عليه ،فمن علمنا أنه قد بلغته الحجة ومع ذلك بقي على ما هو عليه من الأمور الكفرية فإنه يجب حينئذ تكفيره ، ومن لم تبلغه الحجة فإنه لا يحكم بكفره إذا كان مقراً في الجملة بتوحيد الله عز وجل غير معرض عن شرع الله تعالى ،وذلك لأن المعلوم من الدين بالضرورة أمر نسبي ،وقد يختلف من زمان إلى زمان ،ومن مكان إلى مكان ،قال الإمام ابن القيم في طريق الهجرتين : (( قيام الحجة يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة والأشخاص فقد تقوم حجة الله على الكفار في زمان دون زمان وفي بقعة وناحية دون أخرى كما أنها تقوم على شخص دون آخر إما لعدم عقله وتمييزه كالصغير والمجنون وإما لعدم فهمه كالذي لا يفهم الخطاب )) ،وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في درء تعارض العقل والنقل : (( وكذلك كون العلم ضرورياً ونظرياً والاعتقاد قطعياً وظنياً أمور نسبية فقد يكون الشيء قطعياً عند شخص وفي حال وهو عند آخر وفي حال أخرى مجهول فضلاً عن أن يكون مظنوناً ،وقد يكون الشيء ضرورياً لشخص وفي حال ونظرياً لشخص آخر وفي حال أخرى)) ،هذا والله تعالى أعلم

______________________________(عودة إلى قائمة الأسئلة)______________________________

 

السؤال : هل الخلافة التي ستظهر في الأرض المقدسة هي خلافة المهدي المنتظر؟

الجواب : الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد فإن الذي يظهر من الأحاديث الواردة بشأن آخر الزمان أن الخلافة التي ستكون في الأرض المقدسة هي خلافة المهدي ،فمما ورد في ذلك ما أخرجه أبو داود بسند صحيح من حديث عبد الله بن حوالة الأزدي وفيه (.... ثم وضع يده على رأسي وقال : يا ابن حوالة إذا رأيت الخلافة قد نزلت الأرض المقدسة فقد دنت الزلازل والبلابل ( أي الهموم والأحزان) والأمور العظام والساعة يومئذ أقرب من الناس من يدي هذه إلى رأسك ) ،فهذا يدل على أن نزول الخلافة بالأرض المقدسة وهي بيت المقدس إيذان بقرب قيام الساعة ،وقد ثبت أيضاً ما يدل على أن إمامة المهدي تكون في بيت المقدس فقد صح في حديث أم شريك بنت أي العَكَر عند ابن ماجه أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن تحدث عن أمور آخر الزمان فقالت يا رسول الله فأين العرب يومئذ ؟ فقال: ( هم يومئذ قليل وجلهم ببيت المقدس ،وإمامهم رجل صالح فبنما إمامهم قد تقدم يصلي بهم الصبح إذ نزل عيسى بن مريم .... إلخ الحديث ،فهذا الرجل الصالح هو المهدي ونزول عيسى عليه السلام من السماء هو أحد علامات الساعة الكبرى ،وبهذا تكون الخلافة المقصودة هي خلافة المهدي والله تعالى أعلم .

 

______________________________(عودة إلى قائمة الأسئلة)______________________________

 

السؤال : هل يجوز أن نقول على أحد الكفار إنه في النار ؟

  الجواب : الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد

فإن مذهب أهل السنة والجماعة ألا نحكم على معين بأنه من أهل الجنة أو أنه من أهل النار إلا إذا جاءنا نص عن شخص بعينه أنه من أهل الجنة كأنبياء الله عز وجل وكمن بشرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة ،أو من جاء نص بأنه من أهل النار كأبي لهب وفرعون وإبليس ،أما من لم يرد فيه نص فلا نستطيع أن نجزم أنه من أهل النار لأنا لا نعرف بم سيختم الله له ،ولأنا لا نعرف سريرته إنما نحكم بظاهره أنه من الكافرين وأنه إن مات على هذا الذي يظهر لنا من الكفر فإنه يستحق الخلود في النار والله تعالى أعلم 

______________________________(عودة إلى قائمة الأسئلة)______________________________

 

السؤال : من المعلوم أن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان ولكن سؤالي هو ماذا يعني هذا بالضبط؟ هل الأعمال شرط لصحة الإيمان أم شرط لكماله؟ فإن كانت شرطاً لصحة الإيمان فما المقصود من ذلك وما الحكم حينئذ لمن ترك عملا واجبا متعمدا؟ بارك الله فيك

الجواب : الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد

لا شك أن كون الإيمان حقيقة مركبة من القول والعمل يعني أن العمل ركن من أركان الإيمان ،وقد يعبر عن ذلك بأن العمل شرط في صحة الإيمان ، ولكن ليس معنى ذلك أن الإيمان يزول بزوال أي عمل ،فهذا هو رأي الخوارج والمعتزلة ،أما أهل السنة والجماعة فيقصدون بذلك أمرين :

الأول : أن جنس العمل ركن من أركان الإيمان لا يتم الإيمان إلا به ،فمن أقر بلسانه ولم يعمل عملاً قط لم يكن مؤمناً  ؛لأن انتفاء عمل الجوارح بالكلية لا يكون إلا مع انتفاء عمل القلب أيضاً ، ولأن الله تعالى قد بين لنا أننا مأمورون مع الاعتقاد بالقول والعمل كما قال تعالى : ( وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة ) ، فلا يمكن أن يقال عن شخص إنه حقق اعتقاد القلب وترك عمل الجوارح،وقد نقل اللالكائي في شرح اعتقاد أهل السنة عن الحميدي رحمه الله  أنه قال : (( وأخبرت أن ناساً يقولون : إن من أقر بالصلاة والزكاة والصوم والحج ،ولم يفعل من ذلك شيئاً حتى يموت ،أو يصلي مستدبر القبلة حتى يموت فهو مؤمن ما لم يكن جاحداً ،إذا علم أن ترك ذلك فيه إيمانه ،إذا كان مقراً بالفرائض واستقبال القبلة ،فقلت : هذا الكفر بالله الصراح ،وخلاف كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وفعل المسلمين ،قال تعالى : (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين ) الآية )). ثم نقل مثل ذلك عن الإمام أحمد رحمه الله.

الثاني : أن من الأعمال ما يزول الإيمان بزواله كترك الصلاة بالكلية على الراجح من أقوال أهل العلم ،وذلك لحديث ( إن بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة ) ، [أخرجه مسلم وغيره من حديث جابر بن عبد الله ]ولقوله صلى الله عليه وسلم : ( العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر ). [أخرجه الترمذي وابن ماجه  والنسائي من حديث بريدة الأسلمي ،وقال الترمذي : حسن صحيح غريب ،وصححه ابن حبان ،والحاكم في المستدرك والحاكم (1/7) ،وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي ].

بطلان القول بأن العمل شرط في كمال الإيمان :

أما القول بأن العمل شرط في كمال الإيمان فقط فلم يرد عن أحد من السلف فيما أعلم وإنما شاع ذلك بين كثير من المتأخرين الذين يرون أن الإيمان هو التصديق فقط أو أنه التصديق مع النطق باللسان ،فأرادوا التوفيق بين ذلك وبين قول السلف إن الإيمان قول وعمل ،فزعموا أن العمل شرط في كمال الإيمان فقط ، وهذا فهم خاطئ لكلام السلف ؛إذ إن ذلك معناه أن السلف حين عرفوا الإيمان بأنه قول وعمل قد أدخلوا فيه ما ليس منه ،أي أدخلوا فيه العمل مع أنه مجرد شيء كمالي لا تتوقف عليه صحة الإيمان ،وهذا خلاف ما هو معروف عند المناطقة والأصوليين من أن الحد الذي يعرف به الشيء لا بد أن يكون جامعاً مانعاً ،فهو جامع لأفراد المحدود بحيث لا ينقص منها شيء،ومانع من دخول غيره فيه،فما دمنا قد أدخلنا العمل في مسمى الإيمان فلا بد أن يكون العمل جزءاً من حقيقة الإيمان وليس شيئاً كمالياً زائداً عنه  .

فإن قيل لو كان العمل ركناً من أركان الإيمان فكيف لا يزول الإيمان بزواله ؟أي بزوال عمل واحد ،فالجواب أن أجزاء الشيء ليست كلها بدرجة واحدة فمن هذه الأجزاء ما يزول الشيء بزواله ومنها ما لا يزول ،ولكنه يصير ناقصاً ،فالإنسان مثلاً مكون من أجزاء ،ولو قطع رأسه لمات بينما لو قطعت رجله أو يده لم يزل عنه اسم الإنسان وإن كان إنساناً ناقصاً ،وكذلك نقول في قضية دخول الأعمال في مسمى الإيمان والله تعالى أعلم

 

______________________________(عودة إلى قائمة الأسئلة)______________________________

 

السؤال : هل الملائكة أيضا يوجد فيهم الذكر و الأنثى؟ وإذا لم يوجد فكيف يتكاثرون؟

الجواب : إن الملائكة لا يوصفون بذكورة ولا أنوثة ،إذ لم يثبت ذلك في شيء من نصوص الكتاب والسنة بل ورد ما ينفي كونهم إناثاً في قوله تعالى : ( وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثاً أشهدوا خلقهم ستكتب شهادتهم ويُسألون ) ، وقد ذكر بعض المفسرين أنهم يوصفون بالذكورة كما نقله ابن جرير عن بعض التابعين في تفسير قوله تعالى : ( وعلى الأعراف رجال ) ، ولكن الأصح والله أعلم أن لا يوصفوا لا بذكورة ولا بأنوثة ؛لما قدمناه من عدم الدليل على ذلك ، والملائكة من عالم الغيب الذي لا يجوز التكلم فيه إلا بدليل ،وأما قول السائل فكيف يتكاثرون فجوابه أن يقال إنه لم يرد دليل على أنه يتناسلون ، بل نقل بعض أهل العلم الإجماع على أنهم لا ينكحون ولا يتناسلون ،والواجب على المسلم أن يؤمن بما ورد في الكتاب والسنة عن الملائكة من أنهم خلق من خلق الله خلقوا من نور وأنهم لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ، ثم لا يشغل نفسه بما لم يرد به نص في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ،وليكل علم ذلك لله عز وجل والله أعلم.

 

______________________________(عودة إلى قائمة الأسئلة)______________________________

 

السؤال : يحشر الناس حفاة عراة يوم القيامة فمن أول من  يكسى من الأنبياء ؟ مع ذكر الدليل من الحديث.

الجواب : الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد فقد ثبت في صحيح البخاري ومسلم عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (  وإن أول الخلائق يكسى يوم القيامة إبراهيم الخليل )،وقد نقل الحافظ ابن حجر عن بعض أهل العلم أنه يجوز أن يراد بالخلائق من عدا نبينا صلى الله عليه وسلم ،أي أن رسولنا صلى الله عليه وسلم يكسى قبل إبراهيم ،أو أنه صلى الله عليه وسلم يخرج في ثيابه ،وذلك لأن نبينا أفضل الأنبياء فلا ينبغي أن يكسى أحد قبله ،لكن لا دليل على ذلك فالظاهر والله أعلم أن إبراهيم عليه السلام يكسى قبل نبينا صلى الله عليه وسلم وقبل غيره ،وقد ذكر الحافظ ابن حجر أنه لا يلزم من تخصيص إبراهيم عليه السلام بأنه أول من يكسى أن يكون أفضل من نبينا صلى الله عليه وسلم مطلقاً ، كما نقل عن بعض أهل العلم أن إبراهيم يكسى قبل نبينا ،ولكن تكون كسوة نبينا أعلى وأكمل فتَجْبُر نفاستُها ما فات من الأولية ،والله تعالى أعلم. 

 

______________________________(عودة إلى قائمة الأسئلة)______________________________

السؤال : هل موضوع المهدي من مسائل الاعتقاد التي يجب على المسلم الإيمان بها وهل هو من علامات الساعة وهل هو سابق للعلامات المشهورة والمتواترة كالدابة والدجال ونزول المسيح عليه السلام  ،وما صحة ما يروى عن خروج السفياني وما يروى عن معركة هرمجدون ؟

الجواب: الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد

أولاً : أما موضوع خروج المهدي فلا شك أنه من أمور الاعتقاد التي يجب الإيمان بها على طريقة أهل السنة لا على طريقة الروافض ،وذلك لأنه قد وردت فيه أحاديث صحيحة كقوله صلى الله عليه وسلم ( لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لطول الله ذلك اليوم حتى يُبعث فيه رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي ،يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً ) أخرجه أبو داود من حديث ابن مسعود وسنده صحيح ،وهناك أحاديث أخرى كثيرة تدل على ما دل عليه هذا الحديث حكم المحققون من أهل العلم بصحتها كابن تيمية وابن القيم والحاكم والذهبي وغيرهم ،بل أوصل بعض أهل العلم تلك الأحاديث إلى حد التواتر ، فيجب الإيمان بظهوره في آخر الزمان ، وهو من علامات الساعة لكنه ليس من العلامات الكبرى وإنما هو كالمقدمة بين العلامات الكبرى فإن سياق الأحاديث الواردة في شأن المهدي والمسيح والدجال يدل على أن الدجال سيخرج بعد ظهور المهدي ثم ينزل المسيح عليه السلام بعد ذلك ؛لأنه ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة أن خروج الدجال سيكون بعد فتح القسطنطينية ،وفتح القسطنطينية سيكون على يدي المهدي وجنده ،وإليك نص الحديث وقد وضعت فيه بعض الشروح تجدها بين الأقواس : ( لا تقوم الساعة حتى ينزل الروم بالأعماق أو بدابق ( وهما موضعان قرب حلب) فيخرج إليهم جيش من المدينة من خيار أهل الأرض يومئذ ،فإذا تصافوا قالت الروم : خلوا بيننا وبين الذين سبوا منا نقاتلهم فيقول المسلمون : لا والله لا نخلي بينكم وبين إخواننا فيقاتلونهم فينهزم ثلث ( أي يفرون) لا يتوب الله عليهم أبداً (أي لا يلهمون التوبة) ويقتل ثلثهم أفضل الشهداء عند الله ،ويفتتح الثلث لا يفتنون أبداً ،فيفتتحون قسطنطينية  ،فبينما هم يقتسمون الغنائم قد علقوا سيوفهم بالزيتون (أي شجر الزيتون ) إذ صاح فيهم الشيطان إن المسيح (أي الدجال ) قد خلفكم في أهليكم فيخرجون وذلك باطل (أي أن الخبر غير صحيح ) فإذا جاؤوا الشام خرج ،فبينما هم يعدون للقتال يسوون الصفوف إذ أقيمت الصلاة فينزل عيسى ابن مريم ،فأمهم ( أي قصدهم أو أن يكون المعنى فأمهم إمامهم وهو المهدي كما ثبت ذلك في حديث آخر ) فإذا رآه عدو الله ذاب كما يذوب الملح في الماء فلو تركه لانذاب حتى يهلك ،ولكن يقتله الله بيده فيريهم دمه في حربته ) ،ثم يخرج يأجوج ومأجوج في زمن عيسى عليه السلام فلا يستطيع المسلمون قتالهم ،فيهلكهم الله بمرض يسمى النغف في رقابهم .

ثانياً : أما بخصوص الدابة فالذي يظهر أنها تكون بعد ذلك كله لأنه قد ثبت في صحيح مسلم ما يفيد قرب خروجها من طلوع الشمس من مغربها كما في قوله صلى الله عليه وسلم : ( إن أول الآيات خروجاً طلوع الشمس من مغربها وخروج الدابة على الناس ضحى ،وأيهما ما كانت قبل صاحبتها فالأخرى على إثرها قريباً )،وطلوع الشمس من مغربها هو من أواخر العلامات لأنه لا تقبل التوبة بعده ،فهو كما قال الحافظ ابن حجر أول الإنذار بقيام الساعة فتح الباري ( 11/355) وقال أيضاً : (( فالذي يترجح من مجموع الأخبار أن خروج الدجال أول الآيات العظام المؤذنة بتغير الأحوال العامة في معظم الأرض وينتهي ذلك بموت عيسى بن مريم وأن طلوع الشمس من المغرب هو أول الآيات العظام المؤذنة بتغير أحوال العلم العلوي وينتهي ذلك بقيام الساعة ،ولعل خروج الدابة يقع في ذلك اليوم الذي تطلع فيه الشمس من المغرب ....)) إلى أن قال رحمه الله : (( قال الحاكم أبو عبد الله الذي يظهر أن طلوع الشمس يسبق خروج الدابة ثم تخرج الدابة في ذلك اليوم أو الذي يقرب منه ،قلت (أي ابن حجر ) : والحكمة في ذلك أن عند طلوع الشمس من المغرب يغلق باب التوبة فتخرج الدابة تميز المؤمن من الكافر تكميلاً للمقصود من إغلاق باب التوبة )) [ فتح الباري :11/353].

ثالثاً : وأما بخصوص ما يسمى بمعركة هرمجدون فإن هذه المعركة لا ذكر لها في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ،وإنما هي من عقائد أهل الكتاب التي لا يجوز أن نبني عليها حكماً ولا اعتقاداً،كما فعل صاحب كتاب عمر أمة الإسلام هداه الله فقد بنى عليها أشياء كثيرة وفسر من خلالها كثيراً من النصوص الإسلامية بما لا تحتمله تلك النصوص ،ولكن قد دلت النصوص على وقوع الملاحم بين المسلمين والروم بعد صلح آمن يكون بيننا وبينهم كما ثبت ذلك في سنن أبي داود وسنن أبن ماجه وغيرهما ،وفي حديث أبي هريرة الذي في مسلم وقد سبق ذكره أن مركز تجمع الروم يكون قرب حلب ،وقد صح عند أحمد وأبي داود والحاكم من حديث أبي الدرداء مرفوعاً : ( فسطاط المسلمين (أي مقر تجمع قواتهم) يوم الملحمة بالغوطة إلى جانب مدينة يقال لها دمشق من خير مدائن الشام ).

والذي يظهر من حديث أبي هريرة السابق ذكر نصه أن الجيش الذي يخرج من المدينة إنما يخرج لنجدة أهل الشام عند وقوع تلك الملاحم ،وذلك الجيش هو جيش المهدي بدليل أنهم بعد أن ينتهوا من ملاحم الروم بالشام يتوجهون لفتح القسطنطينية ،ثم يعوجون ليواجهوا الدجال ومواجهة الدجال إنما تكون في عصر المهدي ثم تكتمل بنزول عيسى بن مريم عليه السلام ليقتل الدجال كما مر بيانه ،ومعنى ذلك أن تكون الملاحم بين المسلمين والروم هي المقدمة لظهور المهدي والله أعلم .

رابعاً : وأما أحاديث السفياني فقد كنت قرأت من مدة أنه لم يصح فيها شيء ، رأيت ذلك في بعض المواقع منسوباً إلى بعض أهل المعاصرين ،لكني لم أستقص تلك الأحاديث ولكن أشير إلى أن معظم تلك الأحاديث مما أخرجه نعيم بن حماد الخزاعي في كتاب الفتن ونعيم بن حماد وإن كان متبعاً للسنة شديداً على أهل البدع إلا أنه ضعيف الحديث من قبل حفظه ،وكتابه هذا كتاب مليء بمناكير وأعاجيب كما قاله الذهبي رحمه الله .

وقد أخرج الحاكم شيئا من أحاديث السفياني لكنها لا تصح والله أعلم فمنها ما رواه في كتاب الفتن والملاحم من المستدرك (4/520) من طريق الوليد بن مسلم عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج رجل يقال له السفياني في عمق دمشق وعامة من يتبعه من كلب ،فيقتل حتى يبقر بطون النساء، ويقتل الصبيان، فتجمع لهم قيس، فيقتلها، حتى لا يمنع ذنب تلعة، ويخرج رجل من أهل بيتي في الحرة، فيبلغ السفياني، فيبعث إليه جنداً من جنده، فيهزمهم، فيسير إليه السفياني بمن معه، حتى إذا صار ببيداء من الأرض، خُسف بهم، حتى لا ينجو منهم إلا المخبر عنهم) .

والحديث فيه الوليد بن مسلم وهو يدلس تدليس التسوية، وهو إسقاط ضعيف بين ثقتين فربما أسقط ضعيفاً بين الأوزاعي ويحيي بن أبي كثير.
كما أخرج الحاكم حديثاً أخر فيه ذكر فتنة من بطن الشام وأنها فتنة السفياني (4/468) ولكن تعقبه الذهبي فقال : هذا من أوابد نعيم بن مهدي ،وأخرج حديثاً ثالثاً (4/501) فيه أن السفياني يظهر على الشام ويكون بينهم وقعة بقرقيس حتى تشبع طير السماء وسباع الأرض من جيفهم ،ولكن تعقبه الذهبي فقال : خبر واه ، وعلى ذلك فالذي يظهر أنه لا يصح شيء من أخبار من يسمى بالسفياني والله تعالى أعلم.

 

______________________________(عودة إلى قائمة الأسئلة)______________________________